قهوة ليست بطعم القهوة

خرجت من العمل مجهدا، لم أمر على المنزل. قررت الذهاب هذه المرة إلى الشارع، قررت أن أمشي. منذ زمن طويل لم أمش. حاولت أن أتذكر آخر مرة قررت فيها المشي لكنني لم أنجح في ذلك. لكنني أتذكر أنني كنت أجري يوما ما، قد يكون ذلك حين التحقت بهذا العمل. كنت متحمسا كعادة أي ساذج يريد بدء حياة جديدة في مكان جديد. لم تدم هذه السذاجة طويلا، عدت بعدها بفترة قصيرة إلى طبيعتي. قد يكون مجموع ما استطعت تحقيقه من جري هو نصف ساعة أو أكثر بقليل. لست متأكدا.

في فترة البداية الساذجة تلك، كنت أستيقظ مبكرا، أعد الإفطار في المنزل، وأخرج. كنت أحرص أن تكون وجبة الإفطار صحية قدر الإمكان لأبدأ يومي بشكل صحيح كما قرأت يوما حين كنت أبحث عن “كيف تقضي يوم عمل مميز”. الآن، تكفيني قطعة الكرواسون الباردة التي يبيعها الكشك المتنقل بين المكاتب. القهوة لم أعد أطلبها من الخارج كما كنت أفعل في تلك البداية الساذجة، قهوة الصباح الساخنة التي تدفئ الجسم عند اشراقة يوم جديد حيث الشمس تنثر أشعتها في بداية مفعمة بالتفاؤل وسط زقزقة العصافير، كل هذا هراء لا وجود له إلا في ذلك المقال التي قرأته عن يوم العمل المميز.  أصبح فتى المكتب يعد القهوة، يحضّرها، ثم يضعها كل صباح على مكتبي، في الوقت المتوقع لقدومي، مع أنني لا أستطيع أن أصفها بأنها قهوة حقيقية. قد تكون ماءا ساخنا منكها بالبن، بل الكثير من البن، لكنني على غرابة طعمها أستسيغها كما أستسيغ أمورا أخرى ليست كالقهوة ولكن تشبهها.

يبدو أنني بدأت بداية موفقة، فالقهوة حقيقة تشبيه مناسب لما كنت أود الحديث عنه.

بعد أن قررت المشي، وحين كنت أفكرة بالمكان المناسب للمشي وسط غابة البنايات من حولي أحسست بالتعب قبل أن أبدأ، فعدت إلى المنزل. حاولت أن أشاهد التلفاز لكنني لم أستطع. لا أملك المزاج المناسب لمشاهدة التلفاز. احترت في الطريقة المناسبة التي أستطيع بها استغلال وقتي الحالي.

تتكرر هذه الحيرة كل يوم وبنفس الأسلوب وبنفس تدرج الأفكار والقرارات، في النهاية أكتفي بالاستلقاء على السرير ومتابعة كل ما يرد على الهاتف من وسائل التواصل الإجتماعي وقنوات الترفيه الأخرى التي أصحبت حرفيا بين يدي أي انسان.

أستطيع القول أنني لم أجد نفسي في وظيفتي الحالية، طموحي كان مغايرا. كنت أتمنى شيئا آخر، لكن الآخر لم يأت. يصعب علي وصف الأوضاع الحالية في العمل. لا أقول إنها سيئة، لكنها مشابهة للقهوة التي أرتشفها كل صباح، قهوة ليست بطعم القهوة.

كنت أظن أنني مختلف عن الآخرين، لكنني مع الأيام اكتشفت أنني جزء من الكل. كنت أظن شهادتي مميزة، لكنني حين وقفت عند باب التوظيف اكتشفت كمية الشهادات الاخرى التي تنتظر دورها. كنت أظن أن طموحي لا شبيه له، لكن مع الأيام اكتشفت أن الطموح هو الطريق البديهي لكل خريج يحمل شهادة كشهادتي. كنت أظن ابتسامتي تلفت الانتباه في أول أيامي الوظيفية، لكن مع مرور الأيام اكتشفت مدى سذاجة تلك الإبتسامة والتي تفصح بشكل صارخ عن كمية الخداع الذي سأتعرض له مستقبلا. كنت أظن تلك الابتسامات التي يقابلني بها الآخرون في أول أيامي الوظيفية تعبيرا عن الحب والامتنان، لكن مع مرور الأيام اكتشفت أنها كانت ابتسامات تحذير وفي نفس الوقت حسرة على هذا الغرير الصغير القادم بابتسامة إلى شباك العنكبوت.

مرت الأيام، أنا وشهادتي وطموحي وابتسامتي، وابتسامات الآخرين.

أما شهادتي فيعلوها الغبار الآن. أما طموحي فيكتمل كل يوم مع إكمالي للساعات المطلوبة للحضور. أما ابتسامتي فخبت واختفت، وأما ابتسامات الآخرين فما زالت كما هي تستقبل كل شخص جديد.

وأما أنا فأصبحت أنبش في حياتي عن تلك اللحظة السيئة التي أوقعتني في هذا الحظ التعيس.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s