سِفر بنغازي – محاولة كتابة ١

IMG_20190411_092812

* الصورة من حساب @IIXIIMMI

(اعترف لك اليوم ان المقاومة استنزفت كل ما بقى لدي من قوة، بقائي حية بات صنف بائس من الاستمرارية وسينتهي تنازليا مع الوقت.. الشعور بالتعب مهلك جدا حين لا يكون جسديا، ولا حتى نفسيا، لكن من التنفس.. افكر احيانا لمَ لا نتوقف عن التنفس ولكن لا نموت .. اي نختفي عن الشعور بشيء .. نجرب ان نكون شيء غير موجود لاحد ولا لنفسه ..ما افهمه الان اني بقيت احسد اولئك الذين لديهم القدرة على الحسرة على الايام الضائعة، ايقنت اني افتقدت تماما ذلك ايضاً.. عندما انظر لنفسي قبل سنوات مضت ابتسم لاجل مقاومتي الكئيبة .. احيانا استلقي واتخيل نفسي كيف كنت حينها .. كيف كابتي وحزني عذراوين و جميلين .. عندما انهض ادرك ان كابتي وحزني انتهكوا من العالم الخارجي .. انتهكوا الى الابد ..)

ليس صحيحاً، لم ينتهي الوقت بعد. لازلت أملك منه القليل لكنني أحتاج إلى بعض الحظ لأتمكن من الوصول. ليس من المناسب أن تكون هذه محطتي الأخيرة. لا يمكن أن تكون الأيام الأخيرة ضاعت هباء ولا قيمة لها. لا يمكن أن تكون كل تلك المبالغ لم تحقق ما تمنيته. لا يمكن!

طويت الرسالة في جيبي بعد أن كنت أعدت قراءتها عشرات المرات، نهضت من السرير متثاقلاً غير مصدق محتواها. كررت في نفسي، لا يمكن أن يكون هذا حقيقة، لا يمكن. كانت الساعة الآن تشير إلى المساء، الخامسة تحديدا، لا زلت أملك الوقت لأرتب أفكاري وأحدد ما هي الخطوة القادمة، يغمرني اليأس بعد قراءة الرسالة. يبدو أنني كعادتي لم أنجح بشيء، ولم تكن هذه هي المرة الأولى.

أتساءل هل استعجلت بالعودة، هل كان اطمئناني مزيفاً إلى هذا الحد، بالأمس لم يكن الانطباع كذلك، كنت أشعر أنني نجحت في مهمتي ولا يوجد المزيد لأفعله هناك. والآن أنا هنا لا أملك بيدي إلى الآن سوى الحسرة. أزحت الستارة قليلا، لم تِغب الشمس بعد، لا يعجبني مظهرها، يبعث منظرها الحزين في نفسي مزيداً من الحزن.

جاهلاً ما أفعل، تركت الستارة ترتخي على النافذة لتُبعد الشمس الحزينة عني، لم أعد أطيق منظرها أو منظر الأشياء شاحبة بلون الغروب. عدت مرت أخرى إلى السرير، أخرجت الرسالة، أعدت قراءتها، لم أجد فيها ما أتمنى، لم تحوِ في طياتها أي سوء فهم أو رسالة مبهمة، بل هو اليأس يقول لك دعني.

كانت طائرتي قد هبطت صباح اليوم على أرض المطار، لم تكن الرحلة سهلة، لم يكن المعنى سهلا، لم يكن سفرك خلال الزمن بهذه البساطة لينتهي بمثل هذه الرسالة، هل أكرر التجربة مرة أخرى؟ قد تمنحني الحياة أملاً ما في مكان ما لو حاولت، لكنني أنا الآخر تعب ومنهك ولا أملك من الطاقة لفعل أي شيء، أحتاج إلى الراحة بضعة أيام لأعيد التفكير في قراراتي وما يمكنني فعله. أحكمت اغلاق الستارة تماماً فحلّ الظلام مبكراً في الغرفة، أضأت المكان، أصبحت أشعر بالراحة قليلاً بعيداً عن الشمس الحزينة. لا أُطيقها.

كيف لم أتمكن حين كنت على متن الطائرة، خلال رحلة الأربع ساعات محلقاً في الجو، من توقع محتوى الرسالة، من معرفة أنني لم أنجح، من استبدال شعور السعادة الأحمق ذاك بشعور آخر بديل كالحزن أو الغضب. كيف لم أعِ أي شيء. لازلت كما قال لي صديقي ذلك اليوم يتهمني بالسذاجة، حين حاول أن يتثنيني، يقول لي أنت واهِم، لا تعرف حقيقتهم تماماً. كنت أنا من أتهمه حينها بعدم المعرفة، بالحمق، بأن يضع جانباً كل وهم عشش في رأسه وجعله لا يعي ما يفعله وأن يستفيد مني، ومما قد أجنيه من تجربتي القادمة. اتهمني بالتهور، بالسذاجة، وأنا الآن هنا ممسكاً بالرسالة متهماً نفسي بالسذاجة والتهور.

لازلت أتذكر فمه المفتوح المنبهر من فكرتي التي حسبتها لامعة في ذلك الوقت، من تلك التذكرة التي لم يصدق وجهتها، بل لم يكن يعرف أين تقع تلك الوجهة على وجه هذه البسيطة، وبلغ الانبهار ذروته حين شرحت له خطتي التي لم يصدقها بداية، ثم لم يستوعبها، وأخيراً تمكن من اطلاق كمية لا بأس بها من الاتهامات التي ذكرتها آنفاً. أخذ يحاول بعدها بعدة أيام أن يُثنيني، أن يجعلني أتراجع، أن يجعلني أفكر، لكنني منحته أسبابا أخرى ليزيد من قائمة اتهاماته لي، ثم تركني بحالي. لم أكن يومها أنتظر موافقته أو موافقة أي أحد، لم أكن ذهبت إليه لنتشاور ونتناقش، فقط ذهبت لأخبره بأنني قررت، فقط لا غير.

قالت لي: كل شيء على ما يُرام.

قالت لي: لا تقلق.

قالت لي: لم يعد هناك ما يجعلك تبقى هُنا. تملك وطناً ينتظرك، وطني على ما يُرام.

صدقتها، كعادتي، ورحلت. والآن أستلقي بحسرة أو بغصة أو شيء شبيه بهما أنظر إلى السقف المضيء، لا أفكر بالشمس الحزينة في الخارج والتي توشك هي الأخرى على الرحيل.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.