سِفر بنغازي – محاولة كتابة ٢

IMG_20190411_092812

* الصورة من حساب @IIXIIMMI

مرت الدقائق مملة، كأنها تضاعفت، كأن عقرب الثواني يدور حول نفسه عشرات المرات قبل أن يتحرك خطوة، عجزت بالتالي عن التفكير بشيء وأنا أراقبه، تباطأت أفكاري كأنها تزحف بين تجاويف دماغي، بل هو أقرب إلى حبو طفل منه إلى الزحف، تصل حيثُ أريد، لكنها مبهمة كغمغمة طفل لم يعِ بعد معنى الكلمات، لم يستوعب كيف يضع قطعة ليجو فوق الأخرى بل يرميها كيفما اتفق. انزعجت من أفكاري، لم أفهمها، لم أفهم حينها أنني كنت في مرحلة عدم استيعاب، صدمة، تكذيب للواقع، والذي استمر بدوره عدة دقائق بطيئة أخرى دفعتني مرة أخرى وأخيرة لأفتح الرسالة وأقرأها، لأبحث عن تقصيري فيها، لكنني لم أنجح في فهم شيء، كأنني أنا الآخر طفل يحبو ويغمغم بكلمات غير مفهومة. فكرت بالخيارات المتاحة أمامي الآن، أن أستلقي، أن أخرج، أن أتصل بصديقي، أن أبقى كما أنا. لم ينجح أي من هذه الخيارات في زحزحة حماسي عما هو عليه. بقيت كما أنا برهة من الزمن.

ثم حدث أن تذكرت الحجر الذي أهداه لي ذلك الغريب في وسط الصحراء، وأخبرني أنه قد يفيدني في حال احتجت إلى مساعدة من نوع ما، لكنه لم يخبرني كيف أستفيد منه. ذهبت إلى حقيبة السفر والتي لا تزال كما هي منذ الصباح، فتحتها، وبحثت عميقاً عن الحجر إلى أن وجدته. هو صلب أملس تتدرج الألوان الزرقاء عليه كالسماء وقت الظهيرة إلى أعماق البحر المظلم. أمسكته بيدي، لم أحس بشيء، أخذت أقلبه بين بيدي يمنة ويسرة، أبحث عن دليل استخدامه، عن المساعدة التي أحتاجها الآن، لكنني مرة أخرى قضيت فترة من الزمن عاجزاً عن فك طلاسم هذا الصلب الذي في يدي والذي كان يوماً ما في يد غريب.

أذكر حين التقيته ، حين كنت معها في جولة كأنها سياحية بين آثار المنطقة، بين كنيسة وبئر وقلعة وبحيرة، التقيته تحديداً حين كنا بجانب القلعة، عندما استأذنت وتركتني لبضع دقائق، فجأة وكأنه كان يراقبني من بعيد خرج من اللامكان وسلمني الحجر وأخبرني بأنه سيفيدني في يوم ما، ورحل إلى اللامكان. كان رث الهيئة، تماماً كما تتخيل الشخص الغريب في مثل هذا المكان، كأنه معلم جيداي من فيلم حرب النجوم، تحديدا اوبي-وان كنوبي،  كدت أرمي الحجر، لكنني أُعجبت بلونه وملمسه ولم أجد ضرراً في الاحتفاظ به. أخبرتها حين عادت، استنكرت وأخبرتني بعدم جدوى الاحتفاظ بالحجر، ولكن حين وجدت الذي أمامها يملك رغبة الأطفال بالاحتفاظ بهذا الشيء لم تستكثر النقاش وتركته على حاله. وهكذا في مساء ذلك اليوم وضعته في الحقيبة ولا يزال يقبع هناك إلى الآن. واليوم تذكرته.

لازلت أتأمل هذا الحجر، أمسحه، أضغط عليه بكلتا يدي، أحاول البحث عما بداخله، عن زر تشغيل في مكان ما، عن تعويذة مرسومة أو كلمة مرور، لكنني لم أنجح بشيء. يبدو أنه مجرد وهم أحاول التعلق به ليُنقذني من مغبة التفكير بحل للمشكلة التي أواجهها الآن.

لم أرغب في إعادته إلى الحقيبة، أحس بأنني في حاجة إليه، وضعته بجانبي على الطاولة بحيث أتسطيع رؤيته من مكاني على السرير. كأنه إضافة مميزة لا تنتمي إلى سطح المكتب، بجانب الكتاب المفتوح على الصفحة الرابعة والخمسين، بجانب زجاجة العطر الصفراء، وبجانب القلم الذي أستطيع التأكيد أن الغبار يعلوه وإلى جانب علبة البندول الزرقاء والتي لا أستغني عنها أبدا في حال شعرت باقتراب الصداع، كم آكرهه. وإلى جانب هذا كله ثلاث عبوات مياه أحدها ممتلئة واثنتان تعانيان نقص المياه حتى القاع تقريباً، سأرميهم في حال وجدت الوقت لذلك.

أملك رسالة غير متوقعة، أملك حجراً لا أعلم كنهه، أملك مشكلة لا أعرف حلها. أملك كل هذا وأجلس مفكراً أملك الأدوات لكنني لا أعرف كيفية الاستفادة منها.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.