بعيداً عن القراءة

سيجارة

تناهى إلى سمعي بكاء طفلٍ من بعيد. كنت حينها مستغرقاً في الكتابة، أحاول جاهداً إزالة الغبار عن ذكرياتٍ قديمة لأشكل قصةً تستحق القراءة. لكن الطفل مستمرٌ في البكاء بالرغم من محاولات أمه المستميتة لإسكاته. انتزعني بكاء الطفل من تسلسل أفكاري ورماني في مواجهة واقع قوامه طفلٌ يبكي. هدأ الطفل قليلاً، التقط أنفاسه استعداداً لجولة أخرى من البكاء. استغلت الأم ذلك الهدوء وسحبت يده مسرعة بعيداً عني، لم يملك الطفل من أمره شيئاً سوى الانصياع إلى ذلك الفرار بخطواتٍ متسارعةٍ غير متزنة يكاد بسببها يقع أرضاً لولا يد أمه.

رجعت إلى قلمي وذكرياتي القديمة التي أحاول نسجها كقصةٍ تستحق القراءة. كان بكاء الطفل سبباً مقنعاً لأنصرف عن مواجهة الكتابة، لكن الطفل انصرف ولا عذر لي الآن.


في مناقشةٍ طريفة كنت طرفاً فيها مؤخراً اقترح أحدهم أن للرائحة طريقة عجيبة في استحضار الذكريات. وكنت مع الفريق المؤيد لهذه الفكرة. ولا أدل من ذلك حين أقول لك عزيزي القارئ أن لرائحة نوع من السجائر قوة غريبة في نقلي إلى مقاعد الدراسة، تحديداً إلى الصف الأول الابتدائي حين كنت في السابعة من عمري.

قد تستغرب من هذه العلاقة بين طفلٍ وسيجارة، لكنني أؤكد لك أنها ذكريات حقيقية، لكنني لم أكتشفها إلا مؤخراً.

في البداية علي أن اوضح أنني لست من المدخنين، ولم أجرب سيجارةً واحدة في حياتي سواء في طفولتي أو مراهقتي أو حتى أثناء شبابي المستمر. لذا وجب التنويه.

أما السيجارة التي أرغب في وصف رائحتها وعلاقتها بذكريات الطفولة معي فلم أكتشفها إلا مؤخراً حين كنت أدردش مع مجموعة من الأشخاص في مكان ما، وكان أحدهم ينفث دخاناً من سيجارته بين الحين والآخر، رائحة السجائر تلك -ولا أعلم نوعها حقيقةً فهي ليست مما ينتشر بين معشر المدخنين- أعاد إلي ذكريات السنة الإبتدائية الأولى، وتحديداً مدرس الفصل، حيث كانت تلك الرائحة مميزة عليه ملاصقةً له في كل وقت، حين يدخل الفصل، أو حين يقترب مني ليطلع على ما كتبته، أو حين يطلب كتابة شيء على السبورة فأمر بجانبه وأميز تلك الرائحة والتي كانت عالقة به باستمرار ولم أكن أعلم حينها أنها بسبب تدخينه المستمر.


أستاذٌ يدخن، جملةٌ خبريةٌ لا فائدة منها الآن، لكنها – السيجارة التي كان يدخنها – تجتر ذكرياتٍ أحسب أن ذاكرتي أهملتها، لكنها خرجت إلى السطح فجأة لتحرك الشجون والمشاعر. يدفعني الفضول لأعرف نوع تلك السجائر، لا لشيء سوى لأربط بينها وبين مدرس الطفولة ذاك. والذي لولاه ولولا آخرين من بعده لما كنت أكتب هذه التدوينة بحروف عربية سليمة. حفظه الله من كل سوء لو كان حياً، وتغمده الله برحمته لو كان ميتاً.

التصنيفات :بعيداً عن القراءة

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.